محمد عبد الله دراز

189

دستور الأخلاق في القرآن

القيم الأخرى ، فهل هذا يشبع الحاجة الأخلاقية ؟ . . إنّ الكائن الإنساني تركيب من العلاقات : فالعنصر الحيوي ، والشّخصي ، والأسري ، والاجتماعي ، والإنساني ، والإلهي - كلّ ذلك نظام من العناصر المترابطة المتواثقة ، وكلّه قابل للتطور والتّقدم ، وليس من الممكن أن نغفل أي واحد منها دون أن نخلخل هذا التّناسب العجيب الّذي أبدع فيه الإنسان ، أو نشوهه ، أو نبتزه . والحاسة الخلقية تتطلب ازدهار هذا المجموع ككلّ ، وهو ما لا يمكن إلّا بشرط أن نربي - على التّوازي - جميع الجوانب إلى مستوى معين ، أي : أنّه يجب أن تمارس النّفس الإنسانية جميع القيم ، قبل أن تتخصص في واحدة من بينها ، وذلكم هو المفهوم الإسلامي للواجب : « إنّ لربّك عليك حقّا ، ولنفسك عليك حقّا ، ولأهلك عليك حقّا » « 1 » ، « وفي رواية . ولزورك ، فأعط كلّ ذي حقّ حقّه » « 2 » . فمن هذه المنافسة في القيم ينتج بالضرورة أنّ الواجب فرع من فروع الحياة لا ينبغي له أن يشغل سوى امتداد معين من الخير الممكن ، والميسور في هذا الفرع نفسه ، تاركا المجال للفروع الأخرى كي تشبع احتياجاتها ؛ وتحرز نصيبها

--> ( 1 ) انظر ، تفسير ابن كثير : 3 / 400 ، بحار الأنوار : 67 / 128 ح 14 ، سير أعلام النّبلاء : 1 / 542 ، صحيح ابن حبّان : 2 / 24 ، مسند أبي يعلى : 2 / 193 ، تأريخ واسط : 1 / 233 ، الاستيعاب : 2 / 637 ، مستدرك السّفينة : 3 / 268 . ( 2 ) انظر ، صحيح البخاري : 2 / 696 ح 1873 وص : 697 ح 1874 و : 5 / 2272 ح 5783 ، صحيح ابن حبان : 8 / 337 ح 3571 ، سنن البيهقي الكبرى : 4 / 299 ح 8257 ، السّنن الكبرى : 2 / 176 ح 2923 ، مسند أحمد : 2 / 198 ، التّرغيب والتّرهيب : 3 / 250 ح 3904 ، فتح الباري : 3 / 39 و : 4 / 217 و : 10 / 531 ح 5783 ، الطّبقات الكبرى : 4 / 263 ، المحلى : 7 / 12 .